في صباحٍ معتدل من شهر تشرين، وقفنا عند تقاطع شارع الكرادة الداخلية، نراقب حركة الباعة المبكرة. تبدو الكرادة وكأنها تعيد رسم نفسها كل بضع سنوات، لكن هذه المرة شيء مختلف يحدث.

ستة أشهر من العمل الميداني، عشرات المقابلات، وجولات ليلية في الأزقة الجانبية كشفت أن المدينة تتحول من حيٍّ تجاري تقليدي إلى مزيج معقّد من الاقتصاد الرسمي وغير الرسمي، تتجاور فيه المقاهي الحديثة مع محلات الذهب القديمة.

الاقتصاد الجديد للحي

تشير أرقام غرفة تجارة بغداد إلى أن عدد المنشآت المسجلة في الكرادة ارتفع بنسبة 37% خلال السنوات الثلاث الأخيرة. لكن خلف هذه الأرقام، ثمة قصة أعمق عن من يملك ماذا، ومن يعمل لحساب من.

"المدينة لا تنام، لكنها تتنفس بشكل مختلف الآن. الزبائن تغيّروا، والأسعار تغيّرت، حتى الأصوات في الليل لم تعد كما كانت." — أبو حسن، صاحب محل قديم في الكرادة الداخلية

زيارتنا لأكثر من أربعين منشأة، من بينها مطاعم ومحلات ملابس ومكاتب صرافة، أظهرت نمطاً واضحاً: رؤوس أموال جديدة تدخل السوق، أغلبها من المغتربين العائدين أو من شركات إقليمية تبحث عن موطئ قدم في العاصمة.

وجوه المدينة

التقينا بمنى، الموظفة في أحد المقاهي الجديدة، التي قالت إن دخلها الشهري تضاعف خلال سنة واحدة، لكن الإيجارات في المنطقة ارتفعت بنفس الوتيرة تقريباً. "نكسب أكثر، لكننا ندفع أكثر أيضاً" — هذه العبارة سمعناها مرات لا تحصى.

على بُعد أمتار، جلس لنا حسين، بائع الكتب القديمة على الرصيف، الذي يرى المدينة من زاوية مختلفة. "الكتب لا تباع كما كانت، لكن الناس يصوّرون رفّي كل يوم" — يقول وهو يبتسم.

ما الذي يعنيه ذلك؟

ما يحدث في الكرادة ليس مجرد تغيّر اقتصادي، بل إعادة تعريف لمفهوم الحي العراقي في القرن الحادي والعشرين. المدينة التي عرفناها قبل عقد لم تعد موجودة بنفس الشكل، والمدينة التي ستظهر بعد عقد آخر لا أحد يعرف ملامحها بعد.

ما نعرفه هو أن شوارع الكرادة، بكل ما فيها من تناقضات، ستظل المرآة الأكثر صدقاً لما يحدث في بغداد كلها.

شارك هذا الخبر